السيد محمد الصدر
92
ما وراء الفقه
وقد يناقش في ذلك : أولا : إن هذه الآية الكريمة لا تحتوي على أمر ونهي . وإنما احتوت على إخبار فهي ليست دالة على الطلب أصلا . ثانيا : إنها إن دلت على الطلب ففيها قرائن تصرفه إلى الاستحباب وليس الوجوب . وهي قوله تعالى * ( أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ ا للهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى ) * . فإن هذه المرتبة من الإيمان درجة عالية ، لا يحصل عليها إلَّا الأوحدي من الناس . وهي عادة تحصل بأداء جملة من المستحبات وليس امتثال الواجبات والمحرمات العامة . الأمر الذي يدل على أن الطلب هنا استحبابي . وقد يتوصل شخص إلى أن الحكم السابق عليه أيضا استحبابي . باعتبار اقترانه بهذه الفقرة من الآية بنحو القرينة المتصلة . وبتعبير آخر : إن الجهر والإخفات ما داما متقابلين . فيكون الحكمان بهما متقابلين أيضا فالحكم الثاني في الآية الكريمة قال * ( لا تَجْهَرُوا ) * . والحكم الثالث : اخفتوا . فنرجع كلا التعبيرين إلى معنى واحد أو حكم واحد . وهو حكم استحبابي بالقرينة المتصلة الذي ذكرناها . ولذا قلنا قبل مرة إن الأحكام الثلاثة في الآية الكريمة يمكن إرجاعها إلى حكمين . وذلك بدمج الحكمين الثاني والثالث بحكم واحد . إلَّا أن قرينية الاستحباب لا تتم ، لأنها مضادة بقرينة على الوجوب متصلة أيضا وهي قوله تعالى * ( أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ) * . نعم ، إن كان الحكم الثالث مستقلا عن الثاني ، كما هو غير بعيد ، أمكن القول باستحبابه ، ووجوب الثاني . ولكن مع إرجاعهما إلى حكم واحد ، فلا بد من القول بوجوبه لتلك القرينة ، التي تكون بدورها أقوى من قرينة الاستحباب والكلام عن البرهنة على ذلك كلام يطول . ولا نتيجة عملية لذلك ، بعد أن أمكن استفادة ثلاثة أحكام من الآية الكريمة . لأن المطلوب في الحكم الثالث ، ليس هو مجرد عدم الجهر كالثاني . وإنما هو